ابن عطية الأندلسي

300

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

عن ابن أبي مليكة ومحمد بن المنكدر ، ورواها مالك عن يزيد بن رومان عن سالم عن ابن عمر ، وروي عن مالك شيء في نحوه ، وهو الذي وقع في العتبية ، وقد كذب ذلك على مالك ، وروى بعضهم أن رجلا فعل ذلك في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم فتكلم الناس فيه ، فنزلت هذه الآية . قال القاضي أبو محمد : وقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مصنف النسائي وفي غيره أنه قال : « إتيان النساء في أدبارهن حرام » ، وورد عنه فيه أنه قال : « ملعون من أتى امرأة في دبرها » ، وورد عنه أنه قال : « من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم » ، وهذا هو الحق المتبع ، ولا ينبغي لمؤمن باللّه واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه ، واللّه المرشد لا رب غيره . وقال السدي : معنى قوله تعالى : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أي الأجر في تجنب ما نهيتم عنه وامتثال ما أمرتم به ، وقال ابن عباس : « هي إشارة إلى ذكر اللّه على الجماع » ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال : اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فقضي بينهما ولد لم يضره » ، وقيل : معنى قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ طلب الولد ، وَاتَّقُوا اللَّهَ تحذير ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ خبر يقتضي المبالغة في التحذير ، أي فهو مجازيكم على البر والإثم ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ تأنيس لفاعلي البر ومتبعي سنن الهدى . وقوله تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ الآية ، عُرْضَةً فعلة بناء للمفعول ، أي كثيرا ما يتعرض بما ذكر ، تقول « جمل عرضة للركوب » و « فرس عرضة للجري » ، ومنه قول كعب بن زهير : [ البسيط ] . من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول ومقصد الآية : ولا تعرضوا اسم اللّه تعالى للأيمان به ، ولا تكثروا من الأيمان فإن الحنث مع الإكثار ، وفيه قلة رعي لحق اللّه تعالى ، ثم اختلف المتأولون : فقال ابن عباس وإبراهيم النخعي ومجاهد والربيع وغيرهم : المعنى فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم والبر والإصلاح . قال الطبري : « التقدير لأن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا » ، وقدره المهدوي : كراهة أن تبروا ، وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا باللّه كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح ، فلا يحتاج إلى تقدير « لا » بعد « أن » ، ويحتمل أن يكون هذا التأويل في الذي يريد الإصلاح بين الناس ، فيحلف حانثا ليكمل غرضه ، ويحتمل أن يكون على ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « نزلت في تكثير اليمين باللّه نهيا أن يحلف الرجل به برا فكيف فاجرا » ، فالمعنى : إذا أردتم لأنفسكم البر وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل باللّه تعالى ، فقال عليّ يمين ، وهو لم يحلف ، و أَنْ تَبَرُّوا مفعول من أجله ، والبر جميع وجوه الخير . « بر الرجل » إذا تعلق به حكمها ونسبها كالحاج والمجاهد والعالم وغير ذلك . وهو مضاد للإثم ، إذ هو الحكم اللاحق عن المعاصي . و سَمِيعٌ أي لأقوال العباد عَلِيمٌ بنياتهم ، وهو مجاز على الجميع .